ابن كثير
355
البداية والنهاية
يعلى الليثي أن بكير بن شداخ الليثي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فاحتلم فأعلم بذلك رسول الله وقال : إني كنت أدخل على أهلك وقد احتلمت الآن يا رسول الله ، فقال " اللهم صدق قوله ، ولقه الظفر " فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود ، فقام عمر خطيبا فقال : أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم ؟ فقام بكير فقال : أنا قتلته يا أمير المؤمنين . فقال عمر بؤت بدمه فأين المخرج ؟ فقال يا أمير المؤمنين إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله ، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته وهو يقول : وأشعث غره الاسلام مني * خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي * على جرد الأعنة والحزام ( 1 ) كأن مجامع الربلات منها * فئام ينهضون إلى فئام ( 2 ) قال فصدق عمر قوله وأبطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . لبكير بما تقدم . ومنهم رضي الله عنهم بلال بن رباح الحبشي . ولد بمكة وكان مولى لأمية بن خلف ، فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل لان كان أمية يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الاسلام فيأبى إلا الاسلام رضي الله عنه ، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله ، وهاجر حين هاجر الناس ، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضي الله عنه . وكان يعرف ببلال بن حمامة وهي أمه ، وكان من أفصح الناس لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا ، حتى إن بعض الناس يروي حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله أنه قال : إن سين بلال شينا . وهو أحد المؤذنين الأربعة كما سيأتي ، وهو أول من أذن كما قدمنا . وكان يلي أمر النفقة على العيال ، ومعه حاصل ما يكون من المال . ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج إلى الشام للغزو ، ويقال إنه أقام يؤذن لأبي بكر أيام خلافته ( 3 ) ، والأول أصح وأشهر . قال الواقدي : مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة . وقال الفلاس قبره بدمشق ، ويقال بداريا ( 4 ) ، وقيل إنه مات بحلب ، والصحيح أن الذي مات بحلب أخوه خالد . قال مكحول حدثني من رأى بلال قال كان شديد الأدمة نحيفا أجنأ ( 5 ) له شعر كثير ، وكان لا يغير شيبه رضي الله عنه . ومنهم رضي الله عنهم حبة وسواء ابنا خالد ( 6 ) رضي الله عنهما . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو
--> ( 1 ) في أسد الغابة : على قود الأعنة والحزام . والترائب : عظام الصدر . ( 2 ) الربلات : جمع ربلة وهي باطن الفخذ . والفئام : الجماعة من الناس . ( 3 ) هذا ما جزم به الواقدي وابن الأثير في أسد الغابة ، وقالا : لما كان زمن عمر بن الخطاب اذن له فخرج إلى الشام وبقي بها حتى توفي . ( 4 ) داريا : قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة . ( 5 ) الأجنأ : من أشرف كاهله على صدره . ( 6 ) وهو خالد الخزاعي ويقال العامري .